فلسفة اختيار المسئولين فى مصر تظل من أكثر القضايا إثارة للأسئلة، ليس فقط لأنها تمسّ شكل الدولة وأداءها، بل لأنها تكشف عن عمق الإشكال بين ما نطمح إليه كنظام حديث وما نمارسه فعلياً على أرض الواقع. السؤال الجوهرى هنا: هل نملك بالفعل منظومة واعية ومتكاملة لاختيار القيادات، أم أننا نتحرك بمنطق ردّ الفعل، ونسدّ الفراغات عند الحاجة دون رؤية طويلة المدى؟
من الناحية النظرية، أى دولة تسعى للاستقرار والاستمرار لا بد أن تمتلك ما يمكن تسميته «مخزوناً إستراتيجياً من الكفاءات»، يضم كوادر فنية وإدارية وقيادية، جرى رصدها مبكراً، وتقييمها بدقة، وتأهيلها بشكل متدرج، بحيث تكون جاهزة لتولى المناصب الرفيعة فى التوقيت المناسب. هذا المخزون لا يُبنى بالصدفة، ولا يعتمد على العلاقات أو المصادفات، بل على آليات كشف واكتشاف صارمة، تبدأ من التعليم، مروراً بالعمل الميداني، وصولاً إلى اختبارات القيادة وتحمل المسئولية.
السؤال: هل لدينا فى مصر مثل هذا المجمع المنظم للكفاءات؟
الإجابة الواقعية تميل إلى أن ما لدينا هو جهود متفرقة، لا ترقى بعد إلى مستوى المنظومة المتكاملة. نعم، هناك مؤسسات تعليمية، وأكاديميات تدريب، وبرامج لإعداد القادة، لكن المشكلة ليست فى الوجود الشكلي، بل فى الترابط، والاستمرارية، والهدف النهائي. كثير من هذه الجهود تعمل بمعزل عن بعضها، ولا تصب فى «بنك كفاءات وطني» واضح المعالم، يمكن الرجوع إليه عند الحاجة، وفق معايير شفافة ومعلنة.
فى الدول التى نجحت فى بناء إدارات قوية، توجد جهة أو أكثر، مهمتها الأساسية ليست فقط التدريب، بل إدارة دورة حياة الكادر القيادى بالكامل: اكتشافه، فرزه، تقييمه، تجنيبه فى المواقع المناسبة، ثم تصعيده تدريجياً. هذه الجهات لا تنتظر شغور المنصب، بل تسبق الحدث بسنوات. أما فى حالتنا، فكثيراً ما يتم البحث عن المسئول «عند اللزوم»، فتغلب العجلة على الاختيار، ويصبح الأهم هو ملء الكرسى لا بناء المسار.
المشكلة الأخرى تتعلق بمعايير الاختيار نفسها. هل نختار على أساس الكفاءة الفنية فقط؟ أم الخبرة الإدارية؟ أم القدرة على تنفيذ التعليمات دون نقاش؟ فى الواقع، يحدث خلط كبير بين هذه المعايير. فالكفاءة وحدها لا تكفى إن لم يصاحبها وعى سياسى وإدراك لطبيعة الدولة، والولاء وحده قد يتحول إلى عبء إن جاء على حساب الكفاءة، والتنفيذ الصامت قد يكون مطلوباً فى لحظات، لكنه كارثى إذا أصبح قاعدة دائمة.
غياب فلسفة واضحة ومعلنة للاختيار يؤدى إلى نتيجتين خطيرتين: الأولى، حرق الكفاءات، حيث يوضع الشخص المناسب فى المكان الخطأ، فيفشل ويُحسب الفشل عليه لا على سوء الاختيار. والثانية، خلق طبقة من المسئولين «الآمنين» لا «الأكفّاء»، أى أولئك الذين لا يسببون صداعاً للنظام، لكنهم لا يضيفون قيمة حقيقية للأداء العام.
هل توجد جهة مهمتها الأساسية تجهيز هذا المخزون؟
إن وُجدت، فهى تعمل حتى الآن دون أن يشعر بها الرأى العام أو حتى قطاعات واسعة داخل الدولة نفسها. وربما تكون موزعة بين أجهزة مختلفة، لكل منها جزء من الصورة، لكن دون عقل مركزى ينسّق ويجمع ويقيّم. الدولة الحديثة تحتاج ما يشبه «غرفة تحكم بشرية»، ترى الكفاءات كما ترى الخرائط، وتعرف من يصلح للأزمات، ومن يصلح للبناء، ومن يصلح للإدارة الهادئة، ومن يصلح للمواجهات الصعبة.
فلسفة اختيار المسئولين ليست مسألة إجرائية، بل مسألة سياسية وفكرية فى المقام الأول. هى انعكاس لسؤال أكبر: كيف ترى الدولة نفسها؟ وهل تعتبر الإنسان أهم أصولها، أم مجرد ترس قابل للاستبدال؟ ما لم تتحول الإجابة عملياً إلى إيمان حقيقى بأن بناء الإنسان القيادى لا يقل أهمية عن بناء الطرق والكباري، سنظل ندور فى الحلقة نفسها.. نبحث عن المسئول عند وقوع المشكلة، لا نُعدّه قبل أن تأتي.
الخلاصة أن مصر تملك كفاءات هائلة، لكن التحدى الحقيقى ليس فى الندرة، بل فى الإدارة. لدينا المادة الخام، لكننا نحتاج مصنعاً حقيقياً لصناعة القيادات، يعمل بعقل بارد، ومعايير واضحة، ورؤية طويلة النفس. دون ذلك، سيظل سؤال «فلسفة اختيار المسئولين» مطروحاً، وسيظل الجواب ناقصاً.